أستاذتي الكريمة ثناء صالح
قرات مقالتك عدة مرات. وأجدني أردد بعد كل مرة " بارك الله فيك وجزاك عني خيرا"
لا أصلح لحوارك حول هذا الموضوع لانحيازي العاطفي لرأيك فيه بحيث أتمنى أن تكون حجتك فيه أقوى من حجتي.
أمسكت عن الرد عليك لأني لم أجد ما يتناسب مع عمق طرحك وقدره حتى جاءني العون من الخليل ذاته على هوى
النفس أولا وللارتقاء إلى مستوى طرحك ثانيا. فقد خطرت لي وأنا بين اليقظة والمنام مقولته منقولة عن :
ربيعة الكعبي: العروض والإيقاع في النظريات الحديثة للشعر العربي، مركز النشر الجامعي تونس، ٢٠٠٦ ،٩
ص٢٣٢
إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها. وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم
ينقل ذكر عنها. واعتللت أنا بما عندي انه علة لما عللته منه، فإن أكن أصبت العلة فهو الذي
التمستُ، وإن تكن هناك علة له، فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء، عجيبة
النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها، بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج
اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا،
ولسبب كذا كذا سنحت له بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة
التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة. إلا أن ذلك مما ذكره هذا
الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته... هي أليق مما ذكرته
بالمعلول فليأت بها.
تصورت تحفة فنية معجزة الروعة تم اكتشافها، وثبت أنها جاءت من الفضاء لتفرد معدنها فلا شبيه له في معادن الأرض، وإحكام صنعتها التي تفوق كل إحكام أرضي. ولم يستطع فك روعتها إلا عالم واحد عكف عليها وراح يستخدم كل ما أوتي من علم لينتهي بمعادلات دخلت فيهاالرياضيات والفيزياء والكيمياء والنظرية النسبية ونظرية الأوتار وكل ما عرفه من علوم البشر لينتهي بوصف متماسك شمولي يؤطر لصفات تلك التحفة الفريدة.
هل عرف مبدعها تلك العلوم واستعملها ؟
والجواب أن ذلك السؤال يقلل من قدر مبدعها إذ يتصوره كائنا بشريا فيوجه له ذلك السؤال الذي لا يليق بقدره، فهو مصاغ بلغة البشر ويحمل في ثناياه تصور نسبية معارفهم .
هذا كان حال الخليل الواثق من " حكمة بانيها " ومبدعها.
روعة االذائقة العربية في نظري تأتي في سياق روعة الإعجاز الذي نجده في كافة أفاق الكون " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم "
لا يليق أن يُسأل إن كان الخالق يعرف العلوم البشرية التي مكنت البشر من رؤية وإدراك بعض تلك الآيات. " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " وقوله تعالى : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا "
هي من علم الله قطعا، وإن كانت كيفية علمنا بها لا تحد ولا تصف كيفية علمه بها " ليس كمثله شيء " ، ومجرد السؤال يلقي ظلالا في الذهن لا تليق بعظمة المبدع عز وجل.
هذا الإبداع في خصائص وشمولية الإعجاز في تكامل واتساق ورياضية الذائقة العربية في مجال وزن الشعر ليس للخليل فيه إلا فضل الكشف والتصوير بعدسة فكره الثاقب وعبقريته الفذة.
هل كان مبدعها يعرف عروض الخليل ؟ لا يليق هذا السؤال بمبدعها.
حالي مع الخليل كحال الخليل مع مبدعها. بل هو ذات حال الخليل مع مبدعها.
مع نقص عن الخليل وزيادة عليه.
كيف ؟
النقص عن الخليل لأني أقتفي خطاه فله فضل الريادة وليس المتبع كالمبدع.
والزيادة عن الخليل أني إضافة إلى جانب ما تناوله من " تعليل لحكمة بانيها " أحاول التوصل إلى وصف شيء من عبقرية الخليل في استكناه حكمة بانيها .
إن شبهنا الذائقة بوردة وعروض الخليل بصورة متقنة لها، فإني تناولت ما تناوله الخليل من صورة للوردة مع وصف روعة كمرة الخليل الفكرية التي أبدعت نقل صورة تلك الوردة. ولا شك أن مبدع تلك الوردة هو مبدع تلك الكمرة.
فإذا كان الخليل يتناول إبداعا واحدا هو الذائقة العربية فأنا أتناول إبداعين الذائقة العربية وعبقرية الخليل في كشفها.
النظرية النسبية تدعو للتأمل وعقل آينشتاين يدعو للتأمل.
وإذا كان لا يليق بمن يدرك إبداعا واحدا أن يسأل إن كان المبدع يعلم ما علمه، فمن باب أولى لا يليق بمن أدرك إبداعين أن يسأل إن كان أي من المبدع الأول أو المبدع الثاني – وهو من إبداع الأول - يعلمان ما علمه – وهو العروض الرقمي في هذه الحالة.
هل سبقني أحد إلى التأمل في فكر الخليل ؟
نعم الأستاذ ميشيل أديب القائل في مجلة الموقف الادبي العدد 373 أيار 2002:
" وأكثر ما يعيب كتب العروض القديمة والحديثة، أنها، على الرغم من مظاهر العبقرية، التي لم يكشف الخليل عن
أسرارها، لم تحاول تحليل العملية الذهنية لتي مكَّنت الخليل من بلوغ هذه القمَّة الرياضية التي لا تتأتَّى إلاَّ للأفذاذ ."
حفظك ربي ورعاك.


رد مع اقتباس




المفضلات