عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 06-08-2014, 12:50 PM
حنين حمودة غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 1,242
سأنقل لكم نص رسالة الأستاذ الدكتور أيمن حمودة، والتي يفند فيها هذا الزعم

بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور رئيس لجنة الإعجاز بجمعيّة المحافظة على القرآن الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
فقد اطّلعت على المقالة المنشورة في مجلّة الفرقان في إصدارها الواحد والستّين لعام 2007 شهر 2 لمؤلّفها الدكتور دسوقي أحمد محمّد عبد الحليم بعنوان "الماء والرقية الشرعيّة" وما تلا ذلك من تعليقات لبعض الإخوة المشاركين في الموقع، واسمح لي بدايةً قبل إعطاء رأيي فيها بعرضٍ موجز للفكرة التي يطرحها الدكتور دسوقي في مقالته والتي تقوم على ما نشره رجلٌ يابانيّ اسمه ماسارو إيموتو في موقعه الإلكتروني وكذا في العديد من كتبه من أنّ الماء يتأثّر بما حوله من مشاعر وكلمات، فإن سُلّطت عليه أفكار أو كلمات إيجابيّة سواء كانت صلاةً أو موسيقى أو في الحبّ والسلام تأثّر الماء إيجابيّاً وانعكس هذا التأثير الإيجابيّ على تبلور الماء عند تبريده في أشكال جميلة ومبهجة، أمّا إن تعرّض الماء إلى أفكار وكلمات سلبيّة تبلور عند تبريده في أشكال "قبيحة"، ويرى إيموتو أنّ "اكتشافه" هذا عند انتشاره وتدريسه في المدارس سيحسّن العالم وسيساهم في تحقيق السلام العالميّ وسينقذ الأرض من الشرور لأنّه سيعلّم الناس كيفيّة التعامل مع الآخر بايجابيّة وطيبة، فالإنسان 70% من جسمه ماء. ويأتي الدكتور دسوقي ليعطي لأفكارالياباني إيموتو بعداً إسلاميّاً فنجده يقول في مقالته المذكورة أعلاه ما نصّه: "يا لهذه الأبحاث العلمية! إنها كل يوم تؤكد حقائق جديدة قديمة، أليس الكثير من الصالحين التقاة -ولا أقول الدجالين والمشعوذين- يعالجون الأمراض العضوية والنفسية والروحية بقراءة آيات من القرآن على بعض أجزاء الجسد؟! ونقول للمشككين والماديين: لماذا تصدقون الياباني وتنكرون القرآن؟! إذا كانت -أيها السادة- مجرد كلمة حب تقال للماء يتبدل ويتغير، أليس من الأجدر أن تؤثر فيه كلمات القرآن الكريم التي هي كلمات الله عز وجل خالق الماء وجاعل كل شيء حي منه"، ليذكر بعد ذلك العديد من الروايات وأقوال العلماء في فوائد استخدام القرآن الكريم في الشفاء من الأمراض المختلفة. وحقيقة الأمر أنّ الدكتور دسوقي ليس الوحيد من المسلمين من اعتضد بما يطرحه اليابانيّ إيموتو بل نجد أنّ الكثير من مواقع الإعجاز العلمي تستند إليه لتثبت "إعجازاً علميّاً" في كلام الله سبحانه وتعالى.
وقبل الشروع في المقصود لا بدّ لنا أن نذكر أن اليابانيّ إيموتو ليس "عالماً" ولم يكن قطّ كذلك كما يحلو للبعض أن يروّج، بل إنّه هو نفسه لم يدّعِ ذلك فهو حاصل على شهادة في "العلاقات الدوليّة" أتبعها بعد سنوات عدّة بشهادة في "الطبّ البديل" من أحد معاهد الهند المختصّة في الطبّ البديل. ويؤخذ عليه فيما يخصّ "اكتشافه" تأثّر الماء بما حوله من مشاعر وأفكار وكلمات أنّه لم يحاول إشراك المجتمع العلميّ في هذا الأمر فلم يرسل أيّ بحث في هذا الخصوص للمجلاّت العلميّة ذات الصلة، ويمكن للمتصفّح صفحة الدكتور إيموتو في الانترنت أن يلمس هذا الأمر بوضوح فصفحته تخلو تماماً من المعلومات العلميّة بل ولا يعيرها أيّ اهتمام كما يمكن أن يلمس المرء أنّ "اكتشاف" السيّد إيموتو ذو طبيعة تجاريّة فنجده يبيع القمصان والكؤوس المطبوع عليها أشكال بلّورات الماء التي صوّرها، وأنّه يبيع خدمة فحص المياه وتصويرها بمبالغ ليست بسيطة أبداً وأنّه يبيع عبوات الماء "الجيّد" بزعمه بعد وضع علامته عليها، كما لا تجد له أيّ امتداد في الأوساط العلميّة من حيث المحاضرات والندوات والمؤتمرات، هذا بالإضافة إلى بعض الأخطاء العلميّة في المفاهيم الأساسيّة.
ومن الغريب أنّ مؤسّسة الدكتور إيموتو تشترط على من يتّصل بهم بغرض تصوير عيّنات ماء راغباً في "فحصها" أن لا تمّت تلك العيّنات للأديان أو لشخصيّات دينيّة بصلة –كما هو ثابت من نصوص الاتفاقيّة التي يوقّعها الراغب في الاستفادة من خدمات المؤسّسة والتي يمكن الاطّلاع عليها في موقع المؤسّسة على الانترنت، ولا يعنيني هنا قناعة الدكتور إيموتو الفكريّة ولا إيمانه من عدمه، ولكن ما تشير إليه مثل هذه الشروط من خروج سافر على أهمّ صفة من صفات العلماء على الإطلاق ألا وهي الحياد والموضوعيّة في دراسة الظاهرة محلّ الاهتمام، فوظيفة العالم أو السالك لطريق العلم هي البحث عن الحقيقة بكلّ موضوعيّة وتجرّد عن هواه ورأيه الشخصيّ وكلّ ما يميل إليه وتقريرها حتّى وإن خالفت مشربه، رضي من رضي وغضب من غضب. و"رسالة" الدكتور إيموتو كما هي واضحة في صفحته في الانترنت هي أن يعمّ الحبّ والسلام بين الناس في العالم بأسره، ربّما لذلك يريد أن يتحاشى كلّ ما يمكن أن يكون من شأنه أن يثير خلافاً ولكن مثل هذه "النوايا الطيبة" ليس لها وزن في ميزان العلم والحقائق وما يراه هو مثيراً للخلاف يراه غيره سبباً في نشر الخير والحبّ ولا يحقّ له –إنْ كان فعلاً عالماً يسعى للوصول إلى الحقيقة- أن يحكم على هواه ومسبقاً بعدم جواز البحث فيما إذا كانت كلمات دين ما أو شخص ما لها تأثيرات إيجابيّة على الماء أكثر من غيرها.
وأعود بعد هذه المقدّمة الطويلة إلى موضوع تأثير النوايا والكلمات والأفكار على الماء فأقول إنّه وبالرغم من تخصّصي في الكيمياء الفيزيائية واضطلاعي بموضوع ترتيب الذرّات والجزئيات وما ينبثق عنه من أشكال بلوريّة فإنّي لا أعلم سنداً من العلم الطبيعي لمثل هذا الشيء، ولكنّي وفي نفس الوقت لا أتّخذ جهلي هذا سلّماً لنفي احتمال وجود مثل هذه الظاهرة، وكما قال علماؤنا قديماً "عدم العلم ليس علماً بالعدم"، وأنا لست ممّن يقصر العلم على ما نسمّيه اليوم بالعلم الطبيعي (natural science) فقط، فأنا على يقين أنّ العلم الطبيعي ماهو إلاّ جزء يسير من العلم الحقيقيّ الذي لم ولن نؤتى منه إلاّ القليل. وحتّى لا يُساء الفهم ينبغي التأكيد في المقابل على أنّ عدم نفي احتمال وجود ظاهرة ما لا يعني الإقرار بوجودها بل هو التوقّف في الحكم حتّى يتوفّر الدليل إمّا على الوجود أو على عدمه، فهل توفّر الدليل على صحّة الزعم بتأثّر الماء بالنوايا والكلمات والأفكار؟
عند البحث عن الدليل على صحّة فكرةٍ ما، كائنةً ما تكون، فإنّنا نحتكم إلى التجربة أو –بلغةٍ أُخرى- نقوم بفحص هذه الفكرة تجريبيّاً ونرى فيما إذا كانت تتّفق مع نتائج التجربة أو لا، مع التأكيد على أنّ مثل هذه التجارب الفاحصة يجب أن تكون مصمّمة بدقّة وعناية بحيث تكون نتائجها حاسمة (conclusive) لا تسمح بتفاسير أخرى. المشكلة في تجارب الدكتور إيموتو أنّها غير قابلة للإعادة، وما يُسمّى "بقابليّة التجربة للإعادة" (reproducibility) هو من أهمّ أسلحة العلم في التثبّت والتحقّق من النتائج العملّية بغرض تمييز الغثّ من السمين والدعاوى من الحقائق بل وحتّى الأخطاء الصغيرة غير المقصودة، ويُقصد بقابليّة التجربة للإعادة أنّها لو أعيدت تحت نفس الظروف مئات المرّات من أشخاص مختلفين متفرّقين في العلم بأسره لا يربطهم رابط فإنّها تؤدّي إلى نفس النتائج. ومن الأمثلة الجميلة على فاعليّة مثل هذه الآليّة قصة الفيزيائي الألمانيّ شون الذي برز في مطلع العقد الماضي كأحد أهمّ فيزيائيّي العالم في مجال تكنولولجيا النانو مقدّماً نتائج بالغة الإثارة تمثّل فجراً جديداً في مجال تكنولوجيا النانو وذاع صيته وكثرت منشوراته العلميّة في أهمّ المجلاّت العلميّة العالميّة ذات السمعة العالية، لكنّ المجتمع العلميّ لم يلبث أنْ بدأ يتململ، فكلّ جهود العلماء الذين انكبّوا على دراسة الموادّ الجديدة )التي أخبرت أبحاث شون عنها( في محاولة إعادة إنتاج نتائج التجارب المزعومة تبوء بالفشل، ممّا حدا بالبعض إلى التشكيك في دعاوى شون الذي فُتحت بشأنه تحقيقات طويلة انتهت بالتأكّد من قيامه بتزوير النتائج! وهناك قصص مشابهة كثيرة في الطب وصناعة الأدوية على وجه الخصوص دافعها إمّا حبّ المال أو الشهرة كانت دوماً تنتهي بفضح هذه الأكاذيب مهما طال الزمن وذلك بواسطة سلاح "قابليّة التجربة للإعادة".
والآن وبعد أكثر من عشر سنوات ما زال إيموتو لا يستطيع إقناع الوسط العلميّ بنتائجه. كلّ ما يحتاج أن يفعله هو إثبات قابلية تجاربه للإعادة، ولكن هذا لم يحدث أبداً بالرغم من تحّدي البعض له علانيةً أن يفعل هذا! قد يقول قائل: إنّ التجارب التي تتعلّق بالنوايا والأفكار يصعب التحكّم فيها وضبط متغيّراتها لأنّ الكثير منها غير ملموس، إلاّ أنّ مثل هذا القول يدحض ما يريد إيموتو الوصول إليه، فإذا كانت المتغيّرات غيرَ مضبوطة ولا متحكّمٍ بها فإنّ النتائج تكون غير حاسمة ولا حتّى مفهومة، ناهيك عمّا تحتويه مثل هذه التجارب من "ذاتيّة" عالية (subjectivity) تتمثّل في انتقائيّة مجري التجربة وتسجيله فقط ما يريد هو أن يراه!
خلاصة القول أنّ مزاعم الدكتور إيموتو لم ترقَ إلى درجة العلم، لا الثابت منه ولاحتّى العلم الظنّي المدعّم بالشواهد، وما ينبغي لمسلمٍ أنْ يبنيَ بناءَه على مثل هذا الأساس الواهي وإلاّ انهار به، وهذا ما يدفعني إلى التعريج قليلاً إلى شاطئ الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة لإبداء بعض الملاحظات.
يقوم الإعجاز العلميّ على الربط بين نصوص القرآن والسنّة من جهة ونتائج العلم الحديث التي ما عرفت إلاّ مؤخراً من الجهة الأخرى للتدليل على أنّ هذه النصوص لا يمكن أن يأتيَ بها بشر، فالإعجازالعلميّ من هذا المنطلق دين ولذا لا يجوز لمن يعمل في هذا المجال إلاّ الاستناد على الحقائق العلميّة الثابتة. لا يمكن أن نخرج على الملأ نخبر الناس أنّ قرآننا قد تنبأ بهذه "الحقيقة العلميّة" أو تلك قبل أربعة عشر قرناً ثمّ يتّضح أنّ ما أسميناه "حقائق علمية" لم تكن إلاّ وهماً أو سراباً أو حتى مجرّد افتراءات!! وبدلاً من أن نجني ما هو مرجوّ من دراسات الإعجاز العلميّ من تثبيت للمؤمنين وإقناع لغيرهم بصحّة ديننا تنفتح أبواب التشكيك على مصراعيها وتصبح هذه الدراسات سبباً للصدّ والنكران، والمشكلة الكبرى بنظري أنّها تؤدّي مع التكرار إلى وصف المسلمين بالكذب واستعدادهم للافتراء من أجل الترويج لدينهم، الأمر الذي سيفقدهم مصداقيّتهم بين الناس.
وللأسف أقول إنّ هنالك العديد من مثل هذه السقطات التي لا تُغتفر من دعاوى الإعجاز التي لا تصحّ، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مسألة شروق الشمس من مغربها التي ربطت بما يُسمّى بالحركة التراجعيّة لكوكب المرّيخ أو تلك الصورة المكذوبة التي تظهر العثور على حفريّة هيكل عظمي لإنسان طوله عشرات أضعاف الإنسان المعروف، والتي نجد بعضها موجوداً في الكثير من مواقع الإعجاز على الانترنت أو حتّى المجلاّت المختصّة. وممّا يزيد هذه المشكلة تعقيداً الحبّ الصادق ولا شكّ من كثير من أبناء السلمين لدينهم ورغبتهم في نصرته وخدمته فيتلقفون كلّ ما يَرِد ويُذكر في هذا الخصوص على الانترنت ويأخذون بتمريره دونما تمحيص ولا تفكير إلى كلّ الأصدقاء، وهؤلاء يقومون بدورهم بنشرها فينتشر الخبر "بانفجار متسلسل" حتى لا يعود يشكّ فيه إلا من رحم ربّي. وقد فات هؤلاء أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي بل يجب على المسلم أنْ يتحلّى بالحكمة والكياسة ويُعمل عقله قبل أنْ تفعل يداه، وإلى هؤلاء أتوجّه بنصيحتين أظنّهما نافعتين:
ليعلمِ الجميع أنّ هناك مجموعةً من أعداء الإسلام والمسلمين يبثّون دعاوى إعجاز علميّ كاذبة في الانترنت آملين أنْ يتلقّفها المسلمون وينشروها معتقدين صدقها ليقوموا هم بعد ذلك بدورهم بالاستهزاء من المسلمين والسخرية منهم ومن عقولهم السخيفة وليصموهم بترويج الأكاذيب. ومن هؤلاء ما يُعرف باسم الليبراليين الكويتيين الذين قاموا في إحدى المرّات باختلاق خبر عن علماء غربييّن قاموا بتسجيلات صوتيّة لتسبيح النبات وكتبوا خبرهم هذا بصيغة دينيّة أكثروا فيها من تسبيح الله عزّ جلّ والتأكيد على أنّ العلم الحديث ما زال يؤكّد صدق القرآن الكريم، ما أخبثهم وما أضلّ سعي من بجهله ساعدهم.
الانترنت ما هي إلاّ "جريدة" ضخمة مليئة بالأخبار يستطيع كل شخص أن يكتب فيها ما يريد، تجد فيها ما هو حقّ وصدق وتجد فيها ما هو كذب وباطل، والثاني كثير كثير لا يُحصى. إذا جاءك أخي الكريم بريد إلكتروني أو قرأت خبراً في الإعجاز العلمي فلا تنشره. كذّبه حتّى يثبت لك صدقه، واجعل نصب عينيك حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكلّ ما سمع" ودرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح فلا يؤتينّ من قبلك. وللأمانة أقول إنّ تعجّل بعض إخواننا من العلماء في تقرير دعوى الإعجاز ومسارعتهم إلى نشرها في كتبهم وفي صفحاتهم في الانترنت، والتي لا تخلو من مغالطات واستنتاجات في الإعجاز لا تصحّ، يزيد الأمر صعوبة على الناس، لإنّه إن لم يرجع الناس إلى هؤلاء العلماء فإلى من يرجعون؟
ومن المهمّ في هذا المقام التنبيه إلى أنّ الكثير من الأخطاء سببه "القفز إلى النتائج" كما يوضّح المثال التالي: سئل أحد الإخوة الكرام وهو باحث وداعية عن مدى مصداقيّة البحث الذي قام به العالم اليابانيّ حول تأثّر الماء بالكلام الذي يردّد عليه فأجاب أنّنا كمسلمين نعتقد بأنّ كلّ شيء يتأثّر بكلام الله تعالى كما قال الله سبحانه وتعالى عن تأثّر الجبل بالقرآن (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله) وعلى هذا الأساس نقول إنّ التجارب صحيحة والماء يتأثّر ... الخ. والخطأ الذي وقع فيه باحثنا الكريم من وجوه. أمّا الوجه الأوّل فإنّ التسليم بتأثّر الماء بالقرآن شيء والادّعاء بمعرفة طبيعة هذا التأثير شيء آخر لا برهان عليه، فإن كانت الآية الكريمة تدلّ على وجود هذا التأثير فإنّها لا تفصّل في كيفيّته، ومن قال بأنّ هذا التأثّر من قبل الماء هو الترتّب في بلّورات جميلة؟ وأين الدليل على صحّة هذه المقولة؟ إنّ النتيجة المذكورة (الحكم على صحّة تجارب العالم الياباني) ليست محصّلةً عقليّة للمقدّمة المعطاة (تأثّر كل شيء بالقرآن). أمّا الوجه الثاني فإنّ باحثنا الكريم خالف بوضوح بالغ المنهجيّة المتبعة في دراسات الإعجاز العلميّ التي تعتمد أوّلاً على إثبات ظواهر علميّة إثباتاً حاسماً لا يستطيع الملحد المعاند أن يماري فيه، ومن ثمّ يتمّ ربط الحقيقة العلميّة المثبتة بالنصّ القرآني الذي يخبر عنها، أمّا باحثنا فقد قام بتصحيح (إثبات صحّة) نتائج تجارب العالم الياباني استناداً للآية القرآنيّة وفي هذا مصادرة على المطلوب. أمّا الوجه الثالث فإنّه لم يُجب على السؤال أصلاً إذ من الواضح أنّ السائل يسأل عن مدى ثبوت وصحّة نتائج البحث من حيث العلم الطبيعيّ.
ومن المناسب في هذا المقام –بعد ذكر موضوع تأثر الماء بالقرآن الكريم- التنبيه على سلبيّات نتجت عن المغالاة في إثبات الإعجاز العلميّ فتجد كثيراً من الباحثين في هذا المجال يربطون كلّ ما يمرّ عليهم من نصوص شرعيّة يمكن أنْ تكون محلّ اهتمام بتفسيرات من العلم الطبيعيّ المادّي وكأنّه لا يوجد مرجعيّة سوى العلم الطبيعيّ المادّي وأنّ أيّ تفسير مقبول لا يأتي إلاّ من هذا الباب، وفاتهم أنّ العلم الطبيعيّ المادّي ما هو إلاّ إحدى المقاربات للوصول للحقيقة ولا يعنى هذا –بالرغم من الكفاءة العالية التي أثبتتها هذه المقاربة- أنّها المقاربة الوحيدة لإرساء العلم. ولنزيد الأمر وضوحاً نقول إنّ تأثّر الماء بالقرآن الكريم تدلّ عليه الكثير من النصوص الشرعيّة وأفعال الصالحين وعليه فإنّ الإيمان بهذه الظاهرة مبرّر ومفهوم (إمّا على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص) لكن لماذا يجب أن نفتّش عن تأثير مادّي للقرآن الكريم على الماء؟ لماذا لا يكون التأثير روحانيّاً على سبيل المثال؟ ولماذا لا تكون "البَرَكة" تفسيراً كافياً؟ ألا يمكن للماء أن يشفي بقدرة الله-وأمره بين الكاف والنون- دون أن يطرأ عليه تغيير مادّي؟ ألسنا نؤمن بوجود عالمٍ آخر (أو أكثر) بقوانين تختلف عمّا يقرّره العلم المادّي الطبيعي وأنّ القوانين المادّية نفسها قابلة للخرق في أيّ وقت وأيّ مكان؟ إنّ الاقتصار على التفسيرات المادّية الطبيعيّة لكل شيء من أكبر الأمور ضرراً من الناحية الدينيّة فالدين أعظم من أنْ تحكمه مادّة عمياء صمّاء، ويجب على العاملين في مجال الإعجاز العلميّ التنبّه لهذا الأمر.
وأختم بهذا ردّي الطويل الذي آثرت فيه أن يكون وافياً ليس فقط للأخ السائل ولكن لكلّ مهتمّ بالإعجاز العلميّ راجياً أن يكون مفيداً، وما كان صواباً فمن الله وما خاب فمنّي وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله.
عمّان 5-3-2011
أ.د. أيمن حمودة
قسم الكيمياء – جامعة اليرموك
عضو لجنة الإعجاز العلمي بجمعية المحافظة على القرآن الكريم
عضو مؤسّس للجمعيّة الأردنيّة لإعجاز القرآن والسنّة
رد مع اقتباس