عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 03-18-2010, 06:01 AM
خشان خشان غير متواجد حالياً
إدارة المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 15,383
ترجمة الشعر - أحمد الطنطاوي


رأى الجاحظ معروف باستحالة ترجمة الشعر , ربما لخصوصية كل لغة , و الكلمات .. إتساعا و مدلولات و إيحاءات .
و قيل عن الترجمة أيضا أنها ( خيانة ) للنص .
لكن يجب الإلتفات لعدة أمور منهجية عند مناقشة هذا الأمر :


أولا : أن اللغة العربية _ كما ذكر الأستاذ سامى الدروبى و المترجم العبقرى لأعمال ديستويفسكى فى إشارة لافتة _ تتميز بخصائص تميزها عن سائر اللغات و هى :
1_ كثرة المترادفات _ و بشكل هائل لكثير من الكلمات _ و التى يبلغ بعضها المئات كالخمر و الراح و المدام و الطلى ... الى آخره , و الأسد و الليث و الهزبر ... الى آخره ,, و كذلك السيف و الحسام و القنا ... الى آخره .
و هذا الإتساع للمفردات المترادفة يتيح براحا و سعة يفيد منها الشعر بطبيعة الحال لاختيار الملائم المتفق و المناسب .
2_ التعبير عن ( حالات ) مختلفة الدرجة كالنعاس و الوسن و النوم .. الى آخره و هى درجات تصف درجة النوم .
و كذلك البكاء و النحيب و النشيج .. و أيضا الصراخ و العويل .
بينما يُعبر عن هذه الحالات بكلمة واحدة فقط فى اللغات الأخرى بصرف النظر عن التدرجات .
3_ تصويرية الكلمات أى تعبير الكلمة المنطوقة عن معنى الكلمة مثل كلمة ( سما ) التى هى ممتدة و كأنها تصعد بك للعلا .. أو كلمة ( دق ) أو (غرق ) المنتهية الآخر الحتمى فى حسم يُمثل فعل الدق او الغرق الذى ينتهى للقاع الثابت .


ثانيا :أسلوب وخطة الترجمة _ قصديا _ .. هل هى ترجمة حرفية , أم انطباعية ( للقصيدة ) _ و هى ليست ما قاله أخى الأستاذ العروضى عن "استلهام الشعر شيء، وترجمته شيء آخر " , ف( الإستلهام ) يعنى إعجابى بقصيدة عن الربيع أو الحزن مثلا .. فأنشىء أخرى _ خاصة بى أنا _ عن هاتين الفكرتين .. فكأن القصيدة الأصلية ( نبهتنى و أثارت مشاعرى ) فقط عن الفكرة مجردة .. الأمر الذى دعانى لكتابة نفس ( الفكرة )
أما الترجمة الإنطباعية فهى ( لنفس القصيدة ) بيد أنها لا تتقيد بأسر الكلمات الأصلية و لا مسارها المحدد فى كل بيت على حدة و كأنه اختبار ( جاف ) للترجمة و حسب , و أنا شخصيا أفضل هذا النوع من الترجمة , فضلا عن استحالة التقيد الصارم بالترجمة العربية بسبب خصوصية كل لغة كما أسلفت .


ثالثا : ما أثاره الأستاذ على عن مسألة تفضيل ترجمة الشعر عن طريق الشعر الحر أو شعر التفعيلة .. أو بأسلوب قصيدة النثر للتخلص من قيد التقفية و الوزن , و عدم حجرها على المعنى للقصيدة الأصلية بسبب هذا الإلتزام .
و هذه النقطة الأخيرة تستدعى نقاشا مطولا .

رابعا : اختلاف ترجمة القصيدة الواحدة بالنسبة لمترجمين متعددين طبقا لتناول كل منهم لها , و فهمه الشعورى لصورها و هو ما سأعطى له مثالا.



( يتبع 2 )
____


( 2)
المثال الأول لاختلاف الترجمات :


السوناتة 18 لشكسبير ( و سأكتفى حرصا على الإختصار بالأبيات الأولى فقط مع أنى كنت أود إيرادها كاملة "القصيدة و الترجمات " )






"shall I compare "





Shall I compare thee to a summer's day




Thou art more lovely and more temperate




Rough winds do shake the darling buds of May




And summer's lease hath all too short a date




Sometimes too hot the eye of heaven shines




And often is his gold complexion dimmed




هل اقارنك بيوم صيفي
لكنك اكثر جمالا واكثر هدوأً
فالرياح العاتية تزيل براعم ايار الجميلة
وفي الصيف تكون فرص الحياة قصيرة الامد
وفي بعض الاحيان تشرق عين الشمس ساخنة جدا
ومراراً ما تُعتم بشرتها الذهبية
( ترجمة انهاء الياس سيفو )
**
لست أختاً ليوم صيف جميل أنت أرقى لطافة واعتدالا
فالرياح الهوجاء ترعش أحيانا براعم أيـار التي تتـلألا
ومدى الصيف لا يدوم طويلاً وبه الشمس قد تفيض اشتعالا
و السنى العسجدي حيناً نراه مكفهـراً خلف الغيوم الحبالى

(ترجمة شهاب غانم)
** 
.
هـل لـيَّ أن أُشَــبـهـك بـيـومٍ صَـحـوٍ مـن أيام الـصـيـف ؟
لـكـنـك ، أرق و أجـمل .
الرياح العاتية عَـصَفَـتْ بـالـبـراعـم الـجـمـيـلـة في شــهـر مـايـو
و رغــم الـصـيـف فـقَـد قَـصَُـرَ عـمـرهـا .
أحـيـانـا مـا تـغـمـرنـا أشــعـة الـشــمـس بـالـدفء ،
و غــالـبـاً مـا تـغـطـي الـســحـب الـداكـنـة وجـهـهــا الـذهـبـى
(ترجمة ادوارد فـرنـسـيـس )
**


هل لي أن أقرنك بيوم صيفي
حيث أنك احب واكثر اعتدالا
فالرياح قد تعصف ببراعم شهر مايو المحببة
وأيام الصيف قصيرة الأمد
وربما توهجت فيها عين السماء
أو اربدت صفحتها الذهبية
( المترجم مجهول )
**
ألا تشبهين صفاء الصيف
بل أنت أحلى وأصفى سماء
ففى الصيف تعصف ريح الذبول
وتعبث فى برعمات الربيع
ولا يلبث الصيف حتى يزول
وفى الصيف تسطع عين السماء
ويحتدم القيظ مثل الأتون
وفى الصيف يحجب عنا السحاب
ضيا السما وجمال ذكاء
( ترجمة محمد عنانى )
**

من ذا يقارن حسنك المغرى بصيف قد تجلى
وفنون سحرك قد بدت فى ناظرى أسمى وأغلى
تجنى الرياح العاتيات على البراعم وهى جذلى
والصيف يمضى مسرعا اذ عقده المحدود ولى
كم أشرقت عين السماء بحرها تلتهب
ولكم خبا فى وجهها الذهبى نور يغرب
**
( ترجمة فطينة النائب )
هل لي أن أقارنكِ بأحد أيام ِ الصيف ؟
أنت ِ أكثرُ روعةً وأكثرُ اعتدال :
فرياح ُ الصيفِ تهزُ براعمَ مايو في عنف ,
ويوم ُ الصيفِ في مجملهِ سريعُ الزوال :
فشمس ُ الصيف ِ تلفحنا أحياناً بلهيبٍ من نار ,
وتحيل ُ جبهتهُ الذهبية إلى لونٍ كئيبِ
( ترجمة حسن حجازى )
**
هل أقارنك بيوم من أيام الصيف ؟
إنك أحب من ذلك و أكثر رقة
الرياح القاسية تعصف ببراعم مايو العزيزة
و ليس فى الصيف سوى فرصة وجيزة
تشرق عين الشمس أحيانا بحرارة شديدة
و غالبا ما يصير هذا الوهج الذهبى معتما
( ترجمة بدر توفيق )


و سأترك فرصة لتأمل الاختلافات فى ترجمة هذه الأبيات , ثم أورد ملاحظاتى عنها



" و سأترك فرصة لتأمل الاختلافات فى ترجمة هذه الأبيات "


هـل ( غـادر الشعـراء ) مـن مـتـردّمِ ؟؟ !!

رد مع اقتباس