عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 07-26-2013, 06:27 PM
خشان خشان غير متواجد حالياً
إدارة المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 15,530
رد أستاذي د. خلوف

كثيراً ما يُحاول أستاذنا الحبيب (أبو صالح) استثارة كسلي للكتابة والحوار بناءً على ملاحظاتٍ لي سريعة كتبتُها ردّاً أو جواباً على سؤال أو مداخلة هنا أو هناك..
وكم أخبرتُ حبيبنا أبا صالح أنني عاجز عن فهم لغة الأرقام التي يحدثني بها، وذلك على الرغم من قدرتي على فكِّ أسرار نظريتي د.أحمد مستجير، ود.مصطفى حركات الرقميتين، وحاورتُ د.الثمالي، كما حاورت القرطاجني من قبل..
وكم نبهته أنّ ذلك هو سبب السلبية وعدم الاستجابة لما يُحاول إقناعنا به.
----
وها هو يريد أن يفرض علينا رؤيةً لا نؤمن بها أصلاً..
أستاذُنا يعتبر الدوائر العروضية ممثلةٌ لمنهج الخليل (الشمولي)، وهي مقدّمةٌ لم يُقرّها الخليلُ نفسه، ومع ذلك فهو يُرتّبُ عليها نتيجةً لا نُقرّها، حيثُ يجعلُها ممثّلةً للذائقة العربية!، وكلّ ما وراءها خروجٌ على هذه الذائقة!!
ونحن نعتبر دوائر الخليل (مُرَقّعانيّة) جمعت (المتعوس) على (خائب الرجا)، وهو مثلٌ (حموي) واضح التمثيل لمن يفهمه.
فنحن لا نرى علاقة بين الخفيف والسريع، ولا بين المضارع والمنسرح، ولا بين (المجتث) وأخوته (غير الشرعيين) في الدائرة.. سوى الاشتراك فيما بينها بشيءٍ من مواصفات أنساقها، أو وقوع نسق ضمن مكونات سواه.
فإذا رفضنا هذه (التوليفة العجيبة) التي سمّيت بالدوائر، فإننا واثقون كلّ الثقة أنّ (بحورَ الخليل الخمسة عشر) هي التي تمثّل الجزءَ الأكبر من الذائقة العربية.. وإن لم تكن ممثلةً لكلّ هذه الذائقة. مع يقيننا أن الذائقة قابلة للتطور.
فما توقفت عنده ذائقة امرؤ القيس وعبيد بن الأبرص لن يقنعني بعقم الذائقة العربية، وعدم قدرتها على توليد إيقاعات أخرى أو بحورٍ إضافية.. وقد فعلت.
فلقد كان ميلاد بحر الخبب إيذاناً بالعجز الذي فرضته الدوائر على الذائقة المتطورة.
بل لم تتورع هذه الذائقة عن قبول إيقاع بحرٍ ثانٍ ولد في بدايات القرن الرابع الهجري، وهو الدوبيت، الذي تداعت على قبوله ذائقة الشعراء العرب من أرض العراق إلى أرض الأندلس، ومن القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر، حتى فاقَ ما كُتبَ عليه –كمّاً- ما كُتب على بحر المضارع والمقتضب والمجتث معاً.
وقل مثل ذلك في بحر السلسلة، والبحر اللاحق، والبحر المخلّع.
ولا يمتنع عندنا أن يدخل على خط التجديد والتطور بحر سابع وثامن، اليوم أو غداً، أو بعد قرن من الزمان..

وكيفَ تمثّل دوائر الخليل الذائقةَ العربية، وأكثر من ثلث بحورها مهمَل لم تستسغه ذائقة عربي قط.. لا قبل اختراع الدوائر ولا بعدها.. بل إنّ أصولَ الكثير من (البحور المستعملة) مهملٌ ترفضه هذه الذائقة: فأصول المديد والوافر والهزج والمضارع والمقتضب والمجتث مهملة، ناهيك عن (البحور المهملة السبعة) التي أفرزتها تلك الدوائر، ورفضتها الذائقة العربية بالكليّة إلى اليوم.
دوائر الخليل عندي -كما هي عند القرطاجني- (مُلْحَةٌ) عَروضية، يَتفكَّهُ بها شُداة العَروض، ولا علاقة لها بالمنهج العلمي الذي اتبعه الخليل في تقعيده لبحوره..


فإنْ رأى أحدهم أن هنالك منهجاً مرتبطاً بذائقة الأمة في عصر من العصور، فلا بدّ أن يَنظُرَ إليه على أنه مرتبطٌ بذائقة ذلك العصر، وهو لا ينطبق على غيره إلاّ بالمقدار الذي يقبله ذلك العصر من ذلك المنهج.

إنّ ما يمثل الذائقةَ العربية هي البحور المستعملة في واقعها الشعري لا الدوائري، وهي كما أثبتَ الواقعُ قابلةٌ للتجديد والتطور، داخل سياقاتها الإيقاعية من جهة (وهذا كمٌّ كبير)، وخارج منظوماتها الإيقاعية من جهة أخرى.
وما جاءَ على ألسنة الشعراء المتقدّمين منهم والمتأخرين، زيادةً أو نقصاناً عن الأنساق الشعرية المعروفة، واستساغَتْه ذائقة هؤلاء الشعراء، كما استساغته ذائقتنا، هو شعرٌ عربيٌّ موزونٌ، ولا يجوز لأحدٍ أن يُخرجه من (الشعر العربي) كائناً من كان.
وقد أثبتت استمرارية هذه الأنساقَ المحرَّفة -وقد بلغتْ أضعافَ أضعافِ الأنساق الخليلية المعروفة- أنها شعر عربي مقبول وسائغ..
ولن ينفعَ أحداً مهما بالغ في جموده وتحجره أن يُخرِجَها من سائغ الشعر، بدعوى أنها من (الموزون) المقبول، وليست من الشعر..

التجديد في الشعر ماضٍ رغماً عن أنوفنا نحن العروضيين، وما علينا إلاّ الركض خلف كل جديد (مقبول) لإدراجه في مكانه الصحيح من سلّم البحور العربية، ولا يهمك بعدها، هل يندرج ذلك الجديد ضمن دائرة ما، أم لا يندرج.. لأن اندراجه ضمن أي دائرة قديمة أو جديدة لا يعني لنا أكثر من اندراجه ضمن (ملحةٍ عروضية جديدة).
المهمّ في الأمر عندنا: هل الوزن المخترع مستساغ، تَواطأَ جمْعٌ من الشعراء الذي لا يُتّهمون بانحراف الذائقة، على قبوله واستساغته على اختلافِ أزمنتهم وأمكنتهم. ولذلك أكرر القولَ بأنّ قبولَ الجديد عندي لا يعتمد على ذائقتي، ولا ذائقة أيّ مدّعٍ.
-----
إن نظرية الخليل كان يجب أن تقف عند حدود تأصيلها (الواقعي) للبحور، وأن لا تنجرَّ للدخول في لعبة الدوائر هذه.
يكفي الخليل أنه:
- حصَرَ جُلَّ إيقاعات الشعر العربي حتى عصره في خمسة عشر لوناً متميزاً.
- جرّدَ هذه الإيقاعات إلى مكوناتها الأولية من المتحركات والسواكن.
- بيّن أن أساس الإيقاع في الشعر العربي هو نوعٌ من الانتظام الخاص لهذه المكونات وفق سياقات محددة.
- لاحظَ أن المقاطع التي تنتهي بساكن لا تتعدَّى في الشعر ثلاثة مقاطع أصلية، ولكنها في النثر أكثر من ذلك بكثير.
- وبناءً على ما تكرر من مزاوجات هذه المقاطع ضبط (الوحدات الوزنية/التفاعيل)، التي تتركب منها (الأنساق الكبرى/البحور) المختلفة.. وقد نجح في ذلك أيما نجاح، وما زالت هذه الأسس الخليلية حتى اليومَ المرجع الذي يقتبس منه كل من أراد الكتابة في علم العروض.

------
وإذ يُطالبني أخي الحبيب دائماً ببيان المنهج الذي تُضبَطُ به هذه الذائقة المستجدّة، أذكِّرُّهُ أنّني لم أدّعِ يوماً في كلّ ما كتبت بأنني وضعتُ إيقاعاً من لدُنّي وقلتُ للناسِ عليكم القبول به، ولا وضعتُ منهجاً خاصّاً بي دون غيري، ولكنني أدور في فلك الخليل ومنهجه الذي سار عليه إلى ما قبل أن تستهويه لعبة الدوائر، فحاولتُ أن (أحَدّدَ) ما جاءَ عن العرب من أوزان، وأن (أجَرِّدَها) من بعض ما شابَها من عوارٍ أو خللٍ أراه، وأن أقترحَ (تأصيلاً) جديداً لِما تَواطأَ المتأخّرون على قبوله والرضَى به، ولذلك سميتُ عملي: (العروض العربي: تحديد وتجريد وتجديد).
ولم يُطالب أحدٌ -حتى الأستاذ- الخليلَ بتحديد منهجه الذي سارَ عليه، ولم يُحاول أحد قبل أستاذنا أن يستخلص من عمله منهجاً شمولياً غيرَ موجودٍ أصلاً.
-----
فأما مقولة (ميشيل أديب): فحقٌّ، قاله (مُبْطِلٌ) لم يُقدِّم للعروض العربي -بناءً على مقولته تلك- إلاّ نسخةً مشوّهة عن كتابنا: (فن التقطيع الشعري). ومقولته التي فتنت الأستاذ ليست أكثر من (تأليف صوتي) لم يَقدرْ ذلك المدّعي أن يصفَ لنا بعدَها (مظاهرَ العبقرية) التي مات الخليلُ –رحمه الله تعالى- ولم يكشف لنا عن أسرارها!!
وأستاذنا الحبيب لا يفتأ يُردّد هذه المقول، مؤمناً بها كل الإيمان، ومتّهماً كلَّ العروضيين العرب من عهد الأخفش إلى عصرنا الحالي بأنّهم لم يُدركوا منهجَ الخليل الشمولي، بل لا يُدرِكون وجودَ ذلك المنهج لديه أصلاً، وبالتالي فهم جميعاً -باستثناء ميشيل أديب!- يسيرون على غير هدى، بلا منهج ولا هم يحزنون!!

----
أما ادّعاءُ اختراعِ دائرة جديدة، أو بحر جديد فليسَ نهاية الأمة العربية، ولا نهاية ذائقتها، ولا خلقاً لذائقة أمة جديدة كما يُصوره لنا أستاذنا الغيور.
فلو أثبتَ البحر الجديد -أو الدائرة الجديدة- قدرةً على القبول والاستمرار فمرحباً به وبها، وإن كان غير ذلك مات أو ماتت في مهده أو مهدها.
وكم نبهتُ أخي وأستاذي أنّ ما يراه من مثل هذه الدعاوى -وقد كثُرتْ جدّاً- لا ولن يُشكِّلَ كارثةً -كما يظن- إلاّ على مدّعيها.
وإنّ اعتراضنا على ذلم لن يوقفَ مثل هذه الدّعاوى أبداً، فكلُّ يدَّعي وصْلاً بليلى، وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا.
المهم أن تَثبُتَ مثل هذه الادّعاءات، وأن تلقى القبول.
ولا يمتنع عندى أبداً أن تُثبِتَ إحداها جدارَتَها بالقبول، كالذي حصلَ مع الخبب واللاحق والدوبيت والسلسلة والمخلّع.
------
وأخيراً فأنا أشكر أخي الحبيب على تذكيره لي بشيءٍ لم أقله قطّ، وأعنى: (إلقاءَ تهمة التحجّر على من يُطالب بوضوح المنهج وتحديده) كما قال!
لأن ما قلته وما أزال أردده: (المتحجّرين الذين يَخشون أيَّ تجديد، فيخوّفوننا بفساد قواعد اللغة فيما لو فتحنا باب التجديد في موسيقى الشعر)!.
وباب التجديد مفتوحٌ أصلاً، لم يُغلقه أحد سوى هؤلاء المتحجرين، حيثُ دأبَ الشعراء على البحث والكتابة على ما رأوه تجديداً في موسيقى الشعر.
لكن لا شكّ عندي أنّ من يعتقد صحّةَ منهجه، وأن منهجَ سواه هو (اللامنهج) فهو من أكثر الناس تحجراً..

والله هو الموفّق إلى سواء السبيل.
كتبه: د.عمر خلوف في يوم الجمعة 17 رمضان/1434هـ.

رد مع اقتباس